فن اتخاذ القرارات: آليات بسيطة وفعّالة في عملية اتخاذ القرار

+ حجم الخط -

 نعيش اليوم في عصر السرعة الفائقة والثورة التكنولوجية الهائلة مع التسارع الزمني المدهش وكثرة المتغيّرات على أرض الواقع مما يجعل اتخاذ القرار الصحيح والمناسب أمراً في غاية الصعوبة، فقد فرض علينا هذا الواقع بمخالبه الحادة وأنيابه القاطعة أن نقوم بعملية صناعة القرارات في كل زفير وشهيق، حتى ولو كان الأمر يتعلق بتحريك عود من الثقاب.

 

اتخاذ القرارات: آليات بسيطة وفعّالة في عملية اتخاذ القرار

يتطلب اتخاذ قرارات صائبة في حياتنا اليوم أن نُوازن بين القوى المتناقضة ما بين العقل والعاطفة، بحيث يجب علينا أن نكون قادرين على التنبؤ العلمي بالمستقبل، وإدراك الوضع الحالي بدقة، وإلقاء نظرة ثاقبة على عقول الآخرين والتعامل مع المتغيّرات بمرونة عقلية تامة.

 

لذلك كان حتماً علينا أن نوضح الأهمية القصوى في عملية اتخاذ القرارات وفوائدها في عملية تصحيح المسار. في هذا المقال سنتحدث بشكل مبسط عن آليات بسيطة وفعّالة في عملية اتخاذ القرار، وستجد الدليل الشامل لاختيار أي إجراء فعلي بعيداً عن الغموض والإبهام.

 


اتخاذ القرار بطريقة التقديم السريع

 

التقديم السريع هي النتائج المستقبلية والطريقة التي تتخيّل بها نفسك بعد مدة زمنية بعيدة قبل اتخاذ القرار والإجراء الصحيح، بحيث يكون العامل الأساسي عند اختيار الخطة المناسبة هي الرؤية المستقبلية لأبعاد هذا القرار.

 

  • عندما تضعك الحياة أمام عدة خيارات وينبغي عليك اتخاذ قرار مصيري في حياتك أو بين أصدقائك أو في مسارك المهني، غالباً ما يميل عقلك إلى التشوش لأنك مُحاصر بمخاوف قصيرة المدى.
  • عندما تتبنى وجهة نظر مستقبلية، يمكنك تقييم القرار بشكل أكثر منطقية وموضوعية وتستطيع أن توازن بعناية بين المكاسب قصيرة الأجل والمكاسب طويلة الأجل.

 

على أرض الواقع، يوجد فارق كبير بين اتخاذ القرار في الحاضر أو في المستقبل، لأنّه ما يبدو مهماً بالنسبة لك الآن قد يكون غير مهم بالنسبة لك على المدى الطويل. وبالمثل، فإنّ ما  يبدو غير مهم بالنسبة لك الآن قد يكون في الواقع مهماً جداً بالنسبة لك في المستقبل.

 

التنبؤ المستقبلي هو جيد من الناحية النظرية، لكنّ المشكلة الوحيدة هي أننا لا نجيد هذه الطريقة بالشكل السليم، لأنّ الناس بشكل روتيني يبالغون في تقدير تأثير نتائج القرار وأحداث الحياة سواء كانت بالإيجاب أو بالسلب.

 

فالعامل الرئيسي الذي يقود إلى وضع تنبؤات سيئة هو النفور من الخسارة، لأنّ الناس يعتقدون أنّ اتخاذ القرار عن طريق نتائج غير جليّة في الوقت الحاضر هو نوع من المقامرة والرهان.

 

اتخاذ القرار عن طريق التنبؤ يتم بالخطوات التالية:

 

  1. تحديدالهدف من القرار بشكل واضح وجليّ(مهندس مدني يريد إنهاء العمل الوظيفي والاتجاه نحو العمل المستقل عن طريق مكتب هندسي).
  2. جمع المعلومات وقراءة البيانات المتعلقة بهذا القرار(الفرق بين العمل الوظيفي والعمل المستقل وإيجابيات وسلبيات كل عمل).
  3. قراءة الكتب المتخصصة حول الموضوع قبل اتخاذ القرار(كتاب عن العمل الوظيفي وكتاب عن العمل المستقل لإثراء المعلومات).
  4. طلب استشارة من ذوي الخبرة الذين لهم باع طويل في المجال المطلوب(استشارة مهندس مدني له خبرة طويلة في هذا المجال).

 

اتخاذ القرار الغريزي في الوقت الحاضر

 

من المغري أن نقوم بتقييم جميع مزايا وعيوب البدائل المختلفة بشكل منهجي وعلمي وأن نأخذ وقتاً في التفكير لاتخاذ قرارات جيدة، لكن غالباً ما نقف أمام خيارات متعددة تستلزم منّا أن نتصرف في الوقت الآني، ويكون هنا الحكم السريع أو الاختيار الغريزي هو الخيار الأفضل.

 

  • نحن لا ننفك عن اتخاذ قرارات سريعة ومختصة بشأن من نثق به ونتفاعل معه، مثل اختيار شريك في العمل أو صديق في الجامعة.
  •  نحن نُصدر أحكاماً حول مصداقية الشخص وكفاءته وعدوانيته وقابليته للإعجاب خلال أول ثلاث دقائق من رؤيته، والناس الذين ينجحون في اتخاذ هذا القرار سيكونون أكثر ثقة في قراراتهم السريعة.

 

في هذه الخطوة، كلما تعرفت على شخص أفضل كلما كانت انطباعاتك الأولى أفضل وبالتالي سيكون القرار أفضل.

 

من المنطقي أنّ المعلومات الإضافية يمكن أن تساعدك على اتخاذ قرارات مستنيرة وعقلانية، لكن بنفس الوقت يُمكن أن يكون الحمل الزائد للمعلومات مشكلة في جميع أنواع المواقف، مثل اختيار مدرّس لطفلك أو اختيار وجهة عطلة مناسبة.

 

 في مثل هذه الأوقات، قد يكون من الأفضل لك تجنب المداولات الواعية وترك القرار لعقلك اللاواعي. لكن قبل أن تتخلص من المعلومات الزائدة وقوائم الإيجابيات والسلبيات، عليك أن تحذر إذا كان اختيارك عاطفياً للغاية، فقد لا تخدمك غرائزك جيداً.

 

استخدام الحُكم العاطفي عند اتخاذ القرار

 

قد تعتقد أن العواطف هي عدو اتخاذ القرار، لكنّها في الحقيقة جزء لا يتجزأ منه، حتى أنّها تطورت لتمكيننا من اتخاذ قرارات  سريعة وغير واعية في المواقف التي تُنذر بوجود تهديد في حياتنا.

 

فالخوف يؤدي إلى الهروب أو القتال، والاشمئزاز يؤدي إلى التجنب، والشعور بالضيق وعد الراحة يؤدي إلى عدم المصادقة. ومع ذلك، فإنّ دور العواطف في صنع القرار أعمق بكثير من ردود الفعل السريعة هذه.

 

  • جميع عمليات الشراء مثل اختيار أثاث للمنزل، أو اختيار اللباس المناسب أو تغيير تصميم المنزل يكون غالباً قرار الشراء هنا عاطفياً وليس عقلانياً.
  • تؤثر جميع المشاعر على تفكيرنا ودوافعنا، لذلك قد يكون من الأفضل تجنب اتخاذ القرارات الكبيرة تحت تأثير العواطف مثل الزواج أو قرار شراء سيارة، في مثل هذه القرارات المصيرية ينبغي أن تتجنّب استخدام الحكم العاطفي.
  •  يُفضّل عدم اتخاذ أي قرار كبيراً كان أم صغيراً في الأوقات العاطفية الحرجة، مثل اتخاذ قرار وقت الغضب أو تحت الضغط.

 

لكن الغريب أنّ هناك عاطفة واحدة يبدو أنها تساعدنا على اتخاذ قرارات جيدة. حسب دراسة مؤكدة وُجِد أنّ الأشخاص الحزينين أخذوا وقتاً في التفكير في البدائل المختلفة المعروضة، وانتهى بهم الأمر إلى اتخاذ أفضل الخيارات.

 

كما أظهرت العديد من الدراسات أنّ الأشخاص المصابين بالاكتئاب هم الأكثر واقعية في التعامل مع العالم.

 

لا تلعب دور المحامي عند اتخاذ القرار

 

كثير من القرارات في حياتنا نتّبع فيها سياسة التقليد الأعمى للوصول إلى نتائج مشابهة لقصص الناجحين وروّاد الأعمال.

 

عندما ترغب في اتخاذ قرارات جيدة، فأنت بحاجة إلى القيام بأكثر من مجرد التمسك بالحقائق والأرقام التي تدعم الخيار الذي تعتقد أنه الأفضل، لأنّ البحث الجاد عن الأدلة التي يُمكن أن تثبت أنك مخطئ هي عملية مؤلمة وتتطلب الانضباط الذاتي.

 

  1. لا يكفي أن تفتح مكتب سيارات عقاري لأنّ جارك قد أثبت نجاحه وكفاءته في هذا المجال على أرض الواقع.
  2. لا يكفي أن تتخذ قرار إنشاء مشروع تجاري لأنّ شخص قريب منك قد امتلك الملايين من هذا المشروع.
  3. لا يكفي أن تقوم بشراء الملابس نفسها التي يرتديها صديقك، لأنها أضافت له لمسة من الجاذبية والإثارة.
  4. لا يكفي أن تتخذ قرار الهجرة والسفر لأنّ الشخص الفلاني في هذه الدولة حقق إنجازات باهرة وعاد بالخيرات الوفيرة على أهله وبلده.
  5. لا يكفي أن تدخل الفرع الجامعي نفسه الذي دخله غيرك لأنّه أحرز تقدماً علمياً في جامعته وحصل على درجة الماجستير والدكتوراه.
  6. لا يكفي جلب الإحصائيات والبراهين التي تُثبت نجاح الناجحين لإسقاط ذلك على نفسك وأخذ القرارات نفسها.

 

إنّ لكل شخص بيئة ومحيط وإمكانيات وعلم ومهارات وأسباب للنجاح وأخرى للفشل لا تنطبق عل أي شخص آخر، أنت تستطيع الاستفادة من تجارب الآخرين لا بتطبيق التجارب بحذافيرها.

 

  •  قُم باتخاذ قرارات مختلفة حتى تحصل على نتائج مختلقة، لأنّ النجاح لا يأتي من قرارات خاطئة.
  • لا تلعب دور المحامي في عملية اتخاذ القرار، تقوم بإثبات أنّ النجاح مطلق ويُمكن لجميع الأشخاص النجاة من الغرق لأنّ شخص ما قد بنى قصراً في قاع البحر.

 

المغالطة المادية عند اتخاذ القرار

 

الحالة الأولى:

 

أنت في مطعم باهظ الثمن والطعام رائع، لكنّك أكلت كثيراً وبدأت تشعر بالغثيان. أنت تعلم أنّه يجب عليك ترك بقية الحلوى، لكنّك تشعر بأنّك مضطر إلى التخلص منها على الرغم من الشعور المتزايد بالغثيان.

 

الحالة الثانية:

 

يُوجد في الجزء الخلفي من خزانة الملابس قطعة ملابس غير مناسبة لك وعفا عليها الزمن، إنها تشغل مساحة ثمينة ولكن لا يُمكنك أن ترميها بعيداً لأنّك أنفقت عليها ثروة ولم ترتديها كثيراً.

 

القوة الكامنة وراء هذين القرارين السيئين تسمى مغالطة التكلفة الغارقة، السبب وراء ذلك هو أنه كلما زاد استثمارنا في شيء ما، زاد شعورنا بالالتزام تجاهه.


لا يُشترط أن يكون الاستثمار مالياً، فمن منا لم يُثابر على قراءة كتاب ممل أو الصبر على صداقة سيئة لفترة طويلة بعد أن كان من الحكمة تقليص خسائره.

 

لا أحد محصن ضد مغالطة التكلفة الغارقة، حتى المتداولون في سوق الأسهم معرضون للخطر، وغالباً ما ينتظرون وقتاً طويلاً للتخلي عن الأسهم التي تنخفض أسعارها.

 

لتجنّب تأثير التكلفة الغارقة على اتخاذ القرار، تذكّر دائماً أنّ الماضي هو الماضي وأنّ ما يتم إنفاقه لن يرجع أبداً. كلنا نكره الخسارة، ولكن في بعض الأحيان يكون الخيار الحكيم هو التوقف عن رمي المال الجيد بعد السيئ.

 

تقليص البدائل عند اتخاذ القرار

 

يعتقد الكثير من الناس أنَ وضع آلاف من الخيارات والبدائل، واستشارة أعداد هائلة من المتخصصين، وقراءة آلاف الكتب عن موضوع معين يسهّل من عملية اتخاذ القرار المناسب لأنّهم جمعوا كَم هائل من المعلومات، وهذا مفهوم خاطئ جداً.

 

هذا الأمر يستلزم جُهداً عقلياً أكبر في معالجة المعلومات وتحليل البيانات وتحديد الأولويات، ويُمكن أن تكون العملية مربكة وتستغرق وقتاً طويلاً ويمكن أن تؤدي في أسوأ الأحوال إلى الشلل الفكري، غير أنّها تؤدي بنا إلى اتخاذ قرارات تعسفية خاطئة وغير مدروسة.

 

عملية وضع خيارات أكثر من اللازم تأخذ الكثير من الوقت في تقييم البدائل بحيث ينتهي بك الأمر إلى عدم القيام بأي شيء، وبالتالي ينتهي بك الأمر إلى الشعور برضا أقل عن اختيارك بسبب الخوف المزعج من أن تكون قد فاتتك فرصة أفضل.

 

  • تنطبق مفارقة الاختيار علينا جميعاً، لكنها تصيب بعض الأشخاص أكثر من غيرهم، إنّهم أسوأ الأشخاص المتضررين، فتراهم دائماً يبحثون عن أفضل ما يمكنهم الحصول عليه من خلال دراسة جميع الخيارات الممكنة قبل أن يتخذوا قراراتهم.
  • يمكن أن تعمل هذه الاستراتيجية بشكل جيد عندما يكون الاختيار محدوداً، ولكنها تتعطل عندما تصبح الأمور معقدة للغاية.

 

الأشخاص الذين يميلون إلى اختيار القرار الأول الذي يلبّي عتبة المتطلبات المحددة مسبقاً هم أقل معاناة من غيرهم، حتى عندما لا يكون القرار هو الخيار الأفضل من الناحية الموضوعية، فقد يكون الخيار الذي يجعلك أكثر سعادة.

 

إنّ جمع المعلومات هو في غاية الأهمية قبل صناعة القرارات الحكيمة، لكن الغرق في البدائل وقوائم المهام والمعلومات الهائلة يزيد من حجم العائق بينك وبين القرار المنطقي، الأمر يحتاج ببساطة إلى التخطيط الاستراتيجي وتحيد الهدف بشكل واضح ومحدد.

 

الاستعانة بمتخصصين عند الفشل في اتخاذ القرار الصحيح

 

إنّ حُب السيطرة والاستقلالية عند اتخاذ القرار هي نزعة إنسانية موجودة في كل إنسان عربي، لكن لا تخلى الحياة من الأوقات الحرجة التي تفرض على كل شخص التخلّي عن حُب السيطرة والاحتكام إلى الجماعة وآراء الآخرين.

 

عندما يكون لدينا إجراء مصيري مهم يتطلب منّا اتخاذ قرار جدّي سريع مثل خسارة كبيرة في مشروع تجاري يُديره فريق عمل أو ضعف كمية الإنتاج في مؤسسة ما، يتحتم علينا في هذه الحالة اتخاذ قرار سريع لإعادة الأهداف نحو الوجهة السليمة وتفادي الخسارة بين الفريق.

 

يتوجب القيام هنا بإنشاء مجموعة من أربعة متخصصين على سبيل المثال، يُمكن أن يكونوا ضمن فريق العمل أو أصدقاء مقرّبين أو خُبراء استشاريين، بحيث يتم اطلاعهم على كافة مُلابسات القضية، والتوجّه نحو البحث عن الحل المناسب قبل حُدوث أي خلل أو انهيار في نشاط المؤسسة أو فريق العمل.

 

في النهاية:

 

يتم كتابة وجهات النظر العلمية لكل فرد من المتخصصين، ثم عرض هذه الاستبيانات والحلول المقترحة على أفراد فريق العمل، والخطوة التالية هي تقييم هذه الآراء ومدى إمكانية تطبيقها واستخراج أفضل حل منها، بعد ذلك يتم اتخاذ القرار المناسب وتقييم رضا الفريق عن النتيجة النهائية.